الخميس، 27 يوليو 2023
ترجمة شيخ شيوخنا الشيخ غلام مصطفى القاسمي السندي رحمه الله
الجمعة، 21 يوليو 2023
إمام السنة في باكستان الحافظ عبد الله الرُّوْبْري
إمام السنة في باكستان الحافظ عبد الله الرُّوْبْري
(1304-1384)
بقلم الشيخ محمد زياد التكلة
هو الإمام العلامة المحدّث الحافظ الزاهد، شيخ السنّة في باكستان عبد الله بن روشن دين الرُّوْبْري.
نبذة عن الأسرة والنشأة:
يرجع أجداد المترجم لبلدة أيمن أباد بمديرية غوجرانواله، ثم أقطع حاكم البنجاب رجلاً من أسرته اسمه (كبير) قريةً بمديرية أمرتسر، فاستدعى أخاه المسمى (كمير) للإقامة معه، فسميت البلدة (كمير فور)، والمترجم من ذرية كمير.
وُلد المترجم في كمير فور سنة 1304 في أسرة صالحة، فكان والده من أهل العلم الزهاد، ترك أملاكه مدة وانصرف لطلب العلم عند الحافظ محمد اللكوي، ثم ترك كمير فور، واستقر في قرية دوبه قرب غابة جانغا مانغا، ومكث هناك ثلاث سنوات، ثم انتقل إلى تيرت لمدة سنة، ثم إلى ماجره، ثم اضطر للعودة إلى كمير فور لقلة ذات اليد.
فرّغ الحافظ ميان روشن أولاده لطلب العلم، فنشأ المترجم في المسجد منذ طفولته المبكرة، وقرأ القرآن على أبيه، وحفظ سورة البقرة في مدة وجيزة في دوبه على الشيخ عبد الله، واعتنى به أبوه كثيرا[1].
وأبناء روشن دين هم حسب الترتيب: ركن الدين، رحيم بخش، ثم المترجم، ثم عبدالواحد، ثم عبدالقادر، ثم فاطمة، فالحافظ محمد حسين، فالحافظ عبدالرحمن.
وممن أفاد المترجم في العلم أخواه الكبيران ركن الدين ورحيم بخش، ولما توفي الثاني في كمير فور بتاريخ 5/2/1353 تأثر المترجم كثيراً، لأنه كان يرعاهم ويقوم بشؤونهم بعد أبيهم.
كما تأثر بوفاة شقيقه الأصغر وساعده الأيمن الحافظ محمد حسين يوم الجمعة 28/3/1379 فقال عند وفاته: "للأسف الشديد أني فقدته وتركني وحيدا، وأنا في حالة احتاج فيها إليه وقت الضعف والشيخوخة أكثر من قبله".
رحلاته في طلب العلم:
انتقل المترجم من عند والده إلى شقيقه الأكبر ميان ركن الدين في لكهوكي، ودرس على علمائها اللغة العربية وآدابها، وبقي فيها مدة أربع أشهر تقريباً.
ثم ارتحل إلى ميرته ودرس المذهب الحنفي لمدة سنة في المدرسة النعمانية، وقرأ صرف مير، وبنج عن، وقرأ فيها أصول الفقه على الشيخ عبد الصمد.
بعد ذلك ارتحل إلى أمرتسر حيث المدرسة السلفية الشهيرة للإمام عبد الجبار الغزنوي، وهناك تضلع المترجم وتخرج، وحفظ القرآن، وقرأ على الشيخ معصوم الهزاروي كتاب النحو، شرح الجامي، والقطبي، وقرأ على الشيخ محي الدين الحنفي في المدرسة الغزنوية كتاب مراح الأرواح، وزنجاني، وفصول، وغيرها من الكتب، ودرس فيها الفقه، وقرأ الفلسفة والميبذي وغيرها من الكتب في أمرتسر. وقرأ على الشيخ عبد الأول الغزنوي بعض كتب الحديث.
لكن أكثر استفادته كانت على الإمام عبد الجبار الغزنوي، وانقطع عنده سبع أو ثمان سنوات، وأخذ منه شهادة التخرج.
وكان المترجم معظماً لشيخه المذكور، متأثراً به غاية التأثر، حتى في مواضع البكاء والسرور، وتأثر بتربيته وزهده واجتهاده في العبادة إلى وفاته، وكان الغزنوي عالماً ربّانياً قليل النظير.
وقرأ عليه مدة مقامه الكثير من الكتب في مختلِف الفنون، ولا سيما في الحديث، فقرأ عليه السبعة وغيرها قراءة بحث وتحقيق.
ويقول المترجم: "رأى الإمام فيَّ الأهلية للتدريس، فعرض أن أكون مدرسا في مدرسته، وعرض عليَّ الزواج، ولكن كانت الرغبة الشديدة عندي للدراسة، فرفضتهما، واستأذنته، ووصلت دهلي في سنة 1910م، وقد توفي السيد ميان نذير حسين قبل وصولي دهلي بثمان سنوات".
إذن وصلها -أي دهلي- المترجم سنة 1328، وقرأ المنطق والفلسفة على الشيخ عبد الله الغازي فوري، وقبلها كان لقاؤه بالعلامة حسين بن محسن الأنصاري (ت1327)، وحصل على إجازته.
وهناك أخذ علم المنطق على محمد إسحاق المنطقي، ومما أخذ عنه كتاب إقليدس، وحفظ ستة من أبوابه، وبعض الكتب غير المقررة دراسيا.
وهناك سمع بوفاة شيخه الأكبر العلامة عبد الجبار الغزنوي، فتألم لذلك، ورجع لأمرتسر لإكمال بعض الكتب في الفنون، ولم يطل المقام بها.
ثم ارتحل إلى رامفور في المدرسة العالية، ودرَس فيها ودرّس نحو 19 كتاباً[2]، وأخذ الشهادتين منها (مولوي فاضل، والدرس النظامي) في سنة واحدة سنة 1914 تقريباً، وكان الشيخ محمد أمين البشاوري، والشيخ فضل الحق الرامفوري من المدرسين فيها، وكانا متبحرين في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، واستفاد منهما كثيرا، كذلك استفاد من مطالعة مكتبة رامفور العامرة.
ومن رحلاته ذهابه إلى بنجاب عند الحافظ عبد المنان الوزير آبادي، وقرأ عليه أطراف الستة وغيرها، وحصل على إجازته.
ويذكر الشيخ عبد السلام الكيلاني أن المترجم ذهب إلى الأزهر للاستزادة، ولكن لجنة المقابلة قالت له: ماذا ندرّسك وقد أخذت جميع العلوم؟ فرجع إلى دياره.
قال لي شيخنا ثناء الله: لم أسمع منه ذهابه إلى مصر، لكنه بقي في رحلة طلب العلم 16 سنة كاملة.
من أخبار حرصه على العلم:
ذكر لنا شيخنا ثناء الله قصة ملخصها: لما أراد المترجم أخذ علم المنطق للمناظرة والردود كان في دهلي عالم كبير في المنطق والفلسفة اسمه محمد إسحاق المنطقي، لكنه كان يعتقد اعتقادات فلسفية، ولا يصلي ولا يغتسل، ولا يمكن لأحد احتمال رائحته! ومع ذلك فقد لازمه المترجم نحو أربع سنوات يخدمه فيها ليلا ونهاراً؛ ويقرأ عليه؛ إلى أن تضلع في هذا الفن، ثم تركه!
وقال لي: ما ترك شيخا لقيه إلا ودرس عليه.
وقال الشيخ عبد السلام الكيلاني: كان شيخنا يقول: ما رأيتُ ورقة على الأرض إلا أخذتها، وما تركتها حتى أعرف ما فيها، لعلي أطلع على علم جديد أو خبر ديني جديد.
وقال: كان لا يتغيب عن دراسته مطلقا إلا إذا عرف أن الأساتذة لن يدرّسوا شيئا، إلا يوماً واحداً، فتأسف لذلك جدا، وأعاد ذلك الأستاذ له الدرس خصوصاً، ومع ذلك بقي مهتماً لعل الأستاذ أخبرهم بشيء نسي أن يخبره به!
وقال: إن المترجم انقطع عند شيخه الغزنوي أربع سنوات لم يذهب فيها إلى أهله، حتى خطاباتهم ما كان يقرؤها، بل يحفظها عنده، فلما تخرج جعل يقرؤها ويجيب عليها حسب التاريخ، فيدعو لهؤلاء بالبركة، ولهؤلاء بالشفاء، ولهؤلاء بالعزاء!
وقال: أخبرني شيخنا قادر بخش أنه كان يدرس على المترجم في الحضر والسفر، حتى كنا في بعض الأوقات أقرأ عليه وهو راكب على الفرس.
الحياة العملية في الهند:
بعد تسيار طويل في الرحلة العلمية: طلبته جمعية أهل الحديث للتدريس في روبر في مديرية انباله بالهند للتدريس، واستأذن والده في الذهاب، وأسس بها دار الحديث للدراسة النظامية سنة 1916م، وأفرغ وسعه في التعليم والدعوة والإرشاد والفتيا، وبقي هناك أكثر من عشرين سنة.
وأنشأ جريدة: تنظيم أهل الحديث الأسبوعية في 26 رمضان 1350، وبعد وفاته قام عليها ابنه محمد جاويد، وابن أخيه عبد القادر.
ولما أُسست دار الحديث الرحمانية الشهيرة في دهلي كانت تضم نخبة الأساتذة والطلبة على مستوى الهند، فتم اختياره من بين علماء الهند للإدارة والتدريس، لكنه اعتذر عن ترك التدريس في روبر، وقَبِل أن يكون مدير الاختبارات النهائية، وبقي كذلك مدة 22 سنة، وكان لا يجتاز اختباره إلا طلبة العلم البارعين، وأخذ منه مئات العلماء شهادة الفضيلة هناك، وأُغلقت المدرسة في حادثة التقسيم.
وخلال هذه المدة تزوج المترجم في أمرتسر، فطلب منه شيخه أحمد الله الأمرتسري أن يستقر فيها ويُشرف على الجوامع التي بنتها أسرته فيها، فاعتذر منه، وتوفي شيخه.
ثم لما كبر ابنا أخيه الحافظ محمد اسماعيل والحافظ عبدالقادر، وصار بإمكانهما خلافته في الجامع والمدرسة: أراد أن يطبق أمنية شيخه المذكور، وكان قد توفي إمام وخطيب جامع مبارك في أمرتسر الشيخ عبد الله البتوي، فانتقل إلى هناك سنة 1938، وأسس مدرسة دار العلوم فيه.
وخلال مسيرته التعليمية أسس المترجم مدرسة أهل الحديث نوان كوت في الهند أيضاً.
محنته وانتقاله إلى باكستان:
لما بدأت الدعوات السياسية تتصاعد ضد المحتل الإنجليزي كان المترجم من العلماء المؤيدين لفكرة قيام دولة مسلمة (باكستان)، ودعا إلى ذلك، ولاقى في سبيل ذلك المحن الشديدة، وأراد الإنجليز القبض عليه وإعدامه، ولكن سلّمه الله منهم.
ولما نزلت بمسلمي الهند نازلة التقسيم كان المترجم ممن ابتلي فيها، فقُتل بعض أبنائه وأبناء أخيه، وحرقت كتبه، ونجاه الله من مجزرة السيخ بمسلمي أمرتسر، فانتقل بأهله إلى باكستان لدى قيامها سنة 1367.
استقر المترجم في لاهور، وأسس فيها جامع قدس لأهل الحديث بدالغران، وجعله مركزاً للدعوة والإرشاد، وأشرف عليه حتى وفاته، وتصاعد نشاطه الديني، من المسجد، إلى دار الإفتاء، إلى تأسيس جامعة أهل الحديث، إلى تنظيم أهل الحديث بلاهور، وصار من أبرز الشخصيات الدينية على مستوى البلاد من جميع التيارات المذهبية والسياسية، وكان مرجع العلماء ولا سيما في فقه الحديث.
وأما التعليم فقد صابر عليه، وكان يدرّس الطلبة جميع الكتب بنفسه مع كبر سنّه، فتخرَّج عليه نخبة من العلماء الكبار، ورسّخ فيهم السنّة والعلم والتحقيق، ومجموع ما درّسه يزيد على خمسين سنة.
حدثني شيخنا ثناء الله قائلا: وكنت ملازماً له في الدراسة وخارجها، كل حين معه، كنا نجلس في درسه من بعد صلاة الفجر حتى العصر، وأحياناً بعد صلاة المغرب والعشاء، وأنهينا صحيح مسلم نصف الليل، ومشكاة المصابيح الثامنة ليلا عند العشاء.
وكان معروفاً بإقامة دورات للتفسير للعامة كل رمضان، في لاهور وغيرها، فانتفع به كثيرون، ومنهم شيخنا محمد الشجاع آبادي حضر عليه دورة في جامع البيان للإيجي.
وكانت له جهود في الدعوة والمناظرة، وأسلم على يديه عدد، منهم الشيخ قادر بخش الذي كان قاديانياً فأسلم على يديه، ثم تعلم عنده حتى صار من العلماء.
وترأس وفد علماء باكستان في الحج، وحج ثلاث أو أربع مرات، والتقى ببعض الملوك والزعماء، وكان في لقاءاته معهم ناصحاً للشريعة، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مما يذكّر بالأئمة المتقدمين[3].
وقال لنا شيخنا ثناء الله: في قدمته الأولى للحج زار الملك عبد العزيز، وكان رئيسا لوفد العلماء، وقدم بدعم مالي من أهل الحديث، وبايعه.
وقال لنا شيخنا عبد الوكيل: رأيته في إحدى حجاته اجتمع معه كبار العلماء: الوالد وعبد الجليل السامرودي وأبوسعيد اللكنوي، وكان إذا جاء يجتمع المشايخ يسألونه.
قلت: رأيت في رسالة له أنه زار مدينة الرياض سنة 1373 وأقام بها أياماً أيام الملك سعود.
وقال لنا شيخنا ثناء الله: نزل مرة أو مرتين في ضيافة الملك فيصل رحمه الله.
وحصل انقسام في جمعية أهل الحديث لسبب خلاف المترجم مع العلامة المناظر ثناء الله الأمرتسري رئيس الجمعية المركزية، فقد أنكر الأول على الثاني ما جاء في تفسيره من تأويل ومخالفة لما عليه السلف في مسائل الصفات، وحصلت قصة طويلة ذكرنا مجملها في ترجمة العلامة عبد الجبار الغزنوي[4]، وما كان الخلاف بينهما لأجل الدنيا.
مصنفاته وآثاره:
ألّف المترجم كثيراً من الرسائل والردود والكتب القيمة، وهذا ما وقفت على تسميته منها:
1- الفتاوى، وهي مطبوعة في ثلاث مجلدات.
2- دراية التفسير.
3- شرح حديث جبريل في أركان الإسلام والإيمان والإحسان.
4- الكتاب المستطاب في جواب فصل الخطاب، وهو رد على الشيخ أنور شاه الكشميري، ألفه سنة 1345 بالعربية[5].
5- إرشاد الورى في التجميع في القرى.
6- إطفاء النور.
7- تعريف أهل الحديث.
8- تعريف أهل السنة.
9- رد البدع.
10- نبي معصوم.
11- إمامة المشرك.
12- البكراديوي.
13- زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم.
14- الرسالة في التوسل من الأولياء.
15- مسألة استخدام آلة مكبرات الصوت.
16- المودودية والأحاديث النبوية.
17- تعليم الصلاة.
18- الوراثة الإسلامية.
19- تقليد علماء ديوبند.
20- رفع اليدين.
21- إرسال اليدين بعد الركوع.
22- كلمة التوحيد.
23- خلقة نور محمد.
24- رسالة في الإمارة.
25- رفع الإبهام في الدليل التام.
26- توحيد الرحمن.
27- الإسلام والمرزائية (القاديانية).
28- اللحية الإسلامية والمودودية.
29- الإسلام الحقيقي.
30- نكاح الشغار.
31- الرقى والتمائم الشركية.
32- تحقيق في التراويح.
33- رؤية الهلال.
34- المسائل التي امتاز بها أهل الحديث.
35- الحج.
36- تكبيرات العيدين.
37- الرسالة في نية الصلاة والوتر .
38- غاية الحياة الإنسانية.
39- الحكومة و العلماء الربانيين.
40- النكاح والأنثوية.
41- الطلاق الثلاثة.
42- مظهر النكات في شرح المشكوة.
43- الطيور الإبراهيمية.
44- تأمين الحياة.
45- التقليد وعلماء ديوبند.
46- توحيد الرحمن بجواب الاستمداد من عباد الرحمن.
47- الأربعين.
48- رسالة التوسل بالأولياء.
49- سماع الموتى والاستغاثة بهم.
50- مراسلات علمية مع عدد من العلماء[6] وغيرهم.
51- تعليقات وأمالي على الكتب: قال لنا شيخنا ثناء الله قيّدنا عنه تعليقات كثيرة على الكتب موجودة عندنا، ومن ذلك على صحيح البخاري.
قال شيخنا ثناء الله: كُتُبُه بالأردية، ولكن الكتاب المستطاب بالعربية.
من ثناء العلماء عليه:
قال العلامة محمد حسين البتالوي في جريدته إشاعة السنة: الحافظ عبد الله الروبري يساوي في العلم والفضل الحافظ عبد الله الغازيفوري. قلت: وهذا من أجل علماء الحديث في الهند وكبارهم.
وقال العلامة عبد الرحمن المباركفوري: لا يوجد مثيله بالهند.
وقال للشيخ عبد الله بن يابس النجدي لما جاء ليدرس عنده: يا عبد الله، ارجع إلى الشيخ الحافظ عبد الله الروبري، فإنه لا يوجد في الهند كلها ذو علم وأستاذ مجرب محنك مثله.
وقال الشيخ عبد السلام الكيلاني: لقبّه سماحة الشيخ ابن باز في لقاء بابن المترجم سنة 1397 بجبل العلم، وكان العلماء يهتمون لمعرفة رأيه واختياراته.
وقال الشيخ محمد أشرف سندهو في البشرى بسعادة الدارين (ص2): بحر العلوم شيخ المشايخ حضرة العلامة.
وقال (93): حضرة الحافظ العلامة الفهامة مولانا أبو أحمد عبد الله الروبري الأمرتسري -مد ظله العالي- الذي هو خليفةٌ صحيح ونائب صادق في العلم والعمل لحضرة ميان صاحب [يعني نذير حسين] بواسطة الإمام المحدث عبد الجبار الغزنوي.
وذكر في كتابه (ص85) قصة عجيبة عاين خلالها قوة حفظ الشيخ عبد الله بن بليهد، وقال: فتعجبنا منه كثيراً، وسألناه: هل تعلم أحداً يكون أحفظ منك في العرب؟ فقال: نعم، ابني الصغير مثلي في الحفظ، وأنت تجد في الهند أيضا من هو حافظ الكتب، مثل حضرة الشيخ المحدث مولانا الحافظ محمد -مُدّ ظله العالي- الكوندلوي الفنجابي، وشأن حفظه بحيث إذا طالع كتابا مرة واحدة فقد حفظه، وأيضا مثل حضرة الشيخ المحدث المفتي الأعظم العلامة الحافظ عبد الله الروبري الأمرتسري فإنه حافظ لجميع الكتب الدينية، من القرآن والحديث وغيرها، بحيث إذا أراد أن يُخرج ثبوت المسألة المطلوبة يُخرجها على الفور، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقال تلميذه محمد صديق: إنه عرفه مدة ثلاثين سنة مشغولاً في التدريس والدعوة والتأليف، وكان قدوة للمبلغين والدعاة، زاهدا، تقيا، بلّغ دعوة التوحيد والسنة، وقمع الشرك والبدعة.
وقال: كان معروفا بالعلم والفضل، والعلماء الكبار في وقته يعترفون بعلمه وفضله.
وقال تلميذه العلامة بديع الدين شاه السندي في ثبته المنجد الوجيز (خ): الشيخ المحدث العلامة عبدالله الروبري الحافظ.
وقال لنا شيخنا ثناء الله: كان شيخنا الروبري عديم النظير في العلم، وكان ماهراً في جميع العلوم، وكان شيخنا ابن باز يحبه حبا جما، التقى به في المدينة، وعرض عليه التدريس في الجامعة، واعتذر منه، وكان في اجتهاداته ما رأينا مثله، وكان الشيخ محمد عطاء الله حنيف الفوجياني يحبه كثيراً، وكان بينه وبين الألباني إجلال متبادل، وكل واحد منهما يثني على الآخر بالغيب.
وسألتُ شيخنا ثناء الله عن تفضيله للعلماء الكبار الذين لقيهم، فقال: لا أعدل به أحداً. وسألتُه مرة في حضور الشيخ عبد الوكيل، فقال الشيخ عبد الوكيل: هو فوق الكل. قلت: حتى مع والدكم الشيخ عبد الحق؟ قال: حتى مع الألباني وتقي الدين الهلالي وغيرهما ممن لقيت، هذا من حفاظ الحديث، مكتبة ضخمة متنقلة. فقلت لشيخنا ثناء الله: تقرّون بهذا؟ قال: نعم، وكان إماماً في جميع العلوم.
وأخبرنا في ختم قراءة البخاري عليه في الكويت سنة 1428: بعد أن تطرق لحديث: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن ينزعه بقبض العلماء"، فقال بعده عبارة أثرت في كثير من الحضور: "أين ابن باز؟ أين الألباني؟ أين ابن عثيمين؟ أين شيخنا الحافظ عبد الله الروبري؟ كان عديم النظير في زمانه؟ أين الحافظ الغوندلوي؟ أين حماد الأنصاري؟ لقد صار العلماء كما قال الحافظ الذهبي: كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت التراب". هذا أو معناه.
وقدّمه شيخنا في ثبته تذكرة الجهابذة الدرري على بقية شيوخه، وقال (ص9): الأستاذ الفاضل العلامة المحدّث الفقيه المجتهد المفتي الشيخ الحافظ عبد الله بن ميان روشن دين الأمرتسري الروبري، شيخ الحديث والتفسير في جامعة أهل الحديث السلفية بلاهور، الممتحن للمدرسة الرحمانية دهلي، ومن حسن حظي أني أخذت عنه العلوم والفنون المختلفة.
وذكر شيخنا ثناء الله: أن الإمام الألباني في المدينة كان يحب أن يُذكر له موقف المترجم من بعض المسائل حينما عرف منزلته العلمية.
وقال شيخنا عبد الرحمن الفريوائي في كتابه جهود مخلصة (199): من كبار علماء الحديث في عصره، تخرج على الوزير آبادي وعلى الإمام عبد الجبار الغزنوي، كان له نظر ثاقب في علوم الكتاب والسنة، واطلاع واسع في العلوم والفنون، قضى حياته في الدرس والإفادة والتأليف ونشر السنة والسلفية.
وسمعت الشيخ عبد القدوس نذير يثني عليه ويصفه بالحفظ البارع.
وقال شيخنا عبد الوكيل: كان يلقّب عندنا بحافظ الحديث، وهذا في الوقت الذي كان فيه فلان وفلان من كبار المحدثين، إذا احتاجوا قالوا: اذهبوا إلى الشيخ عبد الله، وبمجرد أن تذكره يقول لك هو في الكتاب الفلاني، وكان له منزلة كبيرة عند العلماء، وإذا حضروا عنده يحسبون له ألف حساب، وكانت مكانته عندهم مثل أحمد بن حنبل في وقته.
وأقرّه شيخنا ثناء الله، وقال: الله أكبر!
قلت: واتفق قول عدد من كبار الأصحاب المعتنين بالرواية، مثل الشيخ صالح العصيمي، والشيخ عبد الله العبيد، والشيخ صلاح الشلاحي، ومعهم العبد الفقير: أن أولى من يوصل مسلسل الحفاظ من طريقه في وقتنا هو عن شيخنا الحافظ ثناء الله، عن المترجم، عن الغزنوي، عن نذير بسنده.
عبادته وورعه:
حدثنا شيخنا ثناء الله: كان شيخنا الروبري يصوم يوماً ويُفطر يوماً، ويفطر فطورا خفيفاً، ويتسحر بالماء فقط ونحوه، وهذا ديدنه، وكان بكّاءً جدًّا.
وذكر هو والشيخ الكيلاني أنه كان زاهدا عابدا كثير التهجد، وتوفي وهو صائم.
وقال الشيخ محمد صديق: له ورد وجزء يومي للقرآن حتى في السفر وفي القيام، ويتهجد في السفر والحضر، ولا أعرف أن الجماعة فاتته، ومع المرض يحاول أن لا يصلي جالسا، لكنه اضطر لذلك لما اشتد ضعفه مدة شهر تقريبا آخر حياته.
وقال الشيخ الكيلاني: إنه لم يترك صلاة الجماعة لا حضرا ولا سفراً.
وقال لنا الشيخ عبد االوكيل الهاشمي في حضرة شيخنا ثناء الله: كان الشيخ الروبري إذا حان وقت الصلاة يترك الدنيا كلها، ومرة كان في محطة قطار لاهور ليسافر للدعوة، وجاء القطار عند دخول وقت الصلاة، فقال له الحافظ عبد القادر: وصل القطار! فقال: أنا أترك صلاة ربي لأجل الدعوة؟! فكبّر وصلى صلاته المعروفة من طول وخشوع ودعاء وبكاء، وامتلأ القطار بالناس، وكان لا ينتظر ولا يتوقف إلا دقيقة أو دقيقتين، لكنه في هذه الواقعة بقي القطار واقفاً إلى أن فرغ الشيخ من صلاته الطويلة، ولما ركب فيه انطاق.
وقال لنا: رأيتُه يسبّح كثيراً، وإذا قام أو قعد، وكله تطبيق حرفي للسنّة.
وقال الشيخ محمد أشرف سندهو في البشرى بسعادة الدارين (ص93-94): حضرة الحافظ العلامة الفهامة مولانا أبو أحمد عبد الله الروبري الأمرتسري -مد ظله العالي- الذي هو خليفةٌ صحيح ونائب صادق في العلم والعمل لحضرة ميان صاحب [يعني نذير حسين] بواسطة الإمام المحدث عبد الجبار الغزنوي، فقد كانت عادته من مدة بعيدة بالتواتر أن يأكل طعاماً في وقت واحد؛ في المساء فقط، ويتم ويكمل وظيفته وحزبه وعبادته وقراءته من القرآن في صلاة التهجد بالدوام، وقد يستيقظ في أول الليل لتدريس العلوم، ولقد رأيناه في سفرة الحج ونحن رفقاؤه في الحج سنة 1354-1355 من الهجرة وهو يقوم بأمورنا لما كنا نتعب من السفر، مع كبر سنه الشريف، ومع مداومته على وظيفته وعبادته المذكورة الموصوفة، وهذا في موسم الصيف، وأنت تعلم شدة حر [بلاد] العرب، وذلك فضل الله عليه.
وقال لنا شيخنا ثناء الله: كان لا يتعاطى الأدوية المصنوعة في الغرب مطلقاً، تخوفا من مخالطتها للحرام.
وقال الشيخ محمد صديق: إذا وصلته مكافأة الفتوى أو غيرها فإنه لا ينفقها في حاجته الشخصية إلا قليلا.
حليته وعاداته:
كان ربعة من الرجال، نحيلاً، ولونه يميل للحمرة، كث اللحية، مهيباً، وكان يخضب بالحمرة.
وكان قليل الكلام، وضحكه تبسم فقط، عف اللسان، متواضعاً، يلبس اللباس العادي، ويأكل ما يوضع له على المائدة، دون الفلفل الأحمر بسبب المرض، يأكل الطعام مرة في يوم، يصوم يوما يفطر يوما.
وكان يظهر غضبه عندما كان الأمر يتعلق بالدين، وكان شديداً على المبتدعة، ولا يسلم عليهم، و لا يصلي خلفهم، وإذا صلاها وهو لا يعلم أعادها.
ويحافظ على السواك عند الوضوء، وكان وفيا بوعده، ذكر كل ذلك تلميذه محمد صديق.
وفاته:
عانى المترجم من الضعف والمرض آخر حياته، وصلى جالساً مدة شهر، وتوفي في مستشفى ميو بلاهور في الساعة الثانية والربع بعد ظهر الخميس 11/3/1384، ويوافقه بتأريخ النصارى 20/8/1964م، وكانت جنازته عظيمة، وصلى عليه الحافظ محمد الغوندلوي، ثم تكررت الصلاة عليه، وصُلّي عليه في أماكن مختلفة، ودُفن في مقبرة جاردن تاون بجانب أخويه الحافظ محمد حسين والحافظ محمد إسماعيل.
وقال لنا الشيخان ثناء الله وعبد الوكيل إنه جاوز الثمانين.
رحمه الله رحمة واسعة[7].
أولاده:
رزقه الله أربع4 أبناء وسبع بنات، وأبناؤه حسب الترتيب: مسعود أحمد، محمد جاويد، محمود، حامد.
والبنات: رقية، عائشة، مريم، خديجة، عزيزة، سعيدة، فوزية.
وفي حادثة التقسيم استشهد على يد السيخ خمسة من أولاده، وهم حامد، ورقية، ومريم، وعزيزة، وسعيدة، تقبلهم الله في الشهداء.
ومن أبرز تلامذته:
محمد صديق بن عبد العزيز السردكودوي، شيخنا الحافظ ثناء الله بن عيسى خان المدني، عبد الله بن علي بن يابس النجدي، شيخ الحديث عبد الجبار الكندهلوي، الحافظ محمد حسين الروبري (شقيق المترجم)، محمد إسماعيل الروبري، عبد القادر الروبري (وهما ابنا أخيه)، عبدالرحمن الأفريقي مدير دار الحديث بالمدينة المنورة، الشيخ أحمد محمد الدهلوي مؤسس مدرسة دار الحديث بالمدينة المنورة، بديع الدين شاه الراشدي، محمد عمر بن ناصر النجدي المعروف بعرب صاحب، محمد بن عبدالعزيز البسروري، دين محمد الستانوي (وهؤلاء الثلاثة ذُكر أنهم حضروا درسه الأول في البخاري بروبر)، الحافظ عبد السلام الكيلاني، نور محمد الدوغري، عبدالرحمن بن الشيخ محمد النسائي، عبدالعليم التونكي، شيخنا محمد عبد الله الشجاع آبادي، أبو بكر البنغالي، محمد يوسف البنغالي، عبدالقيوم البردواني، محمد شونيان، قادر بخش بازيد فوري، شهاب الدين الكوتلي، حبيب الرحمن الشاه راولبندي، الحافظ عبدالرحمن المدني، الحافظ مقبول أحمد، محمد أشرف سندهو، وعبد الحق بن عبد الواحد الهاشمي.
روايته:
تلقى المترجم على كثير من المشايخ، ولكن وقفت على روايته عن ثلاثة مشايخ فقط.
فنقل الشيخ محمد أشرف سندهو في البشرى بسعادة الدارين (146-147) حواراً جرى بين المترجم وبين العلامة عبد الله بن حسن آل الشيخ في حج سنة 1354، فقال المترجم بعد التعارف: «قد حصل لي سند الحديث وإجازته من شيخين: الأول عن حضرة مولانا الإمام عبد الجبار الغزنوي رحمه الله، وهو التلميذ الرشيد والخليفة الصادق لحضرة ميان صاحب رحمه الله الدهلوي [يعني نذير حسين]، والثاني عن حضرة الشيخ العلامة حسين الأنصاري اليمني رحمه الله الخليفة الرشيد لحضرة العلامة ابن الشيخ الإمام الشوكاني رحمه الله».
والثالث: ذكر تلاميذه شيخنا ثناء الله المدني، والعلامة بديع الدين شاه السندي، والشيخ عبد السلام الكيلاني: أنه أخذ الإجازة من العلامة عبد المنان الوزير آبادي، وقال لي الأول إنه قرأ عليه أطراف أمات كتب الحديث.
وما تيسر لي معرفة مقروءاته على العلامة الأنصاري، وأظن أنها قراءة للأطراف فقط على عادته فيمن لم يلازمه.
وأما مقروءاته على العلامة عبد الجبار الغزنوي فهي كثيرة، ومنها: الكتب السبعة، والدارمي، والشمائل، وألفية العراقي، والرسائل الثلاث للشاه ولي الله، والأَمَم للكوراني، وغيرها كثير، أخبرنا بذلك تلميذه الضابط المتقن شيخنا الحافظ ثناء الله، بل قال لنا: قرأ عليه جميع الكتب! وحصل على إجازته.
أهم مصادر ترجمته السابقة:
1) الحافظ محمد عبد الله المحدث الروبري رحمة الله عليه، حسب روايات الموسوعة الإسلامية بالأردية، وزيادة فيما رأيت وسمعت، لتلميذه ووراقه الشيخ عبد السلام الكيلاني المدني، المتوفى أوائل سنة 1430 رحمه الله تعالى.
2) ترجمة المحدث الروبري: لتلميذه محمد صديق بن عبد العزيز (مترجم من الأوردية).
3) التعريف بالشيخ عبد الله محدث روبري: للحافظ محمد أنور، الأستاذ المساعد بقسم الفقه، بالجامعة الإسلامية العالمية، إسلام آباد. وأكثره ملخص من المصدر السابق.
4) سؤالات ومشافهات متكررة مع شيخنا الحافظ ثناء الله المدني في الرياض والكويت، وأحد هذه المجالس المطولة كان معه شيخنا عبد الوكيل الهاشمي.
[1] من صور عناية الوالد أنه لما مرض أراد ولده المترجم أن يذهب لخدمته، ولكنه منعه كي لا يغيب عن الدراسة، وقال: سآتي إليك. فذهب إلى ولده في روبر، ولكن اشتد به المرض إلى أن توفي رحمه الله في 27/12/1342 ويوافقه بتاريخ النصارى 30/7/1924، ودُفن هناك.
[2] ولذلك قصة، فيقول ابنه محمد جاويد سماعا من والده: "لما ذهبت إلى المدرسة العالية للدراسة رفضني مديرها، وكان الطلاب موجودين والأستاذ غائباً للحاجة، وترك المسودة عندهم، فلما قرأتها وجدت الأخطاء الكثيرة في النحو والصرف، فوضعت العلامات عليها في مكانها، ولما رجع الأستاذ بعد قليل رأى العلامات على الأخطاء، فسألهم من وضعها؟ فقلت: أنا الذي وضعتها وبيّنت سبب الأخطاء. فسُرّ بي كثيرا، وألحقني بالمدرسة، وقال: أنت الآن طالبٌ للكتب التي ما قرأتَها في المدرسة، ومدرّسٌ للكتب التي قرأتها ".
[3] أطلعني شيخنا ثناء الله على عدة رسائل كتبها المترجم لبعض الملوك، يقول في أحدها: «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. فيا أيها الملك، نلقي عليك كلمات يسيرة، لعل الله ينفعنا بها وإياكم، فإن عملت بها فهو المطلوب، وإلا فما علينا إلا البلاغ، وما نسألكم عليه من أجر، إن أجرنا إلا على الله رب العالمين, فاعلم يا أخانا أنك فرض الله عليك..».
وساق الأحاديث في الترهيب من الظلم في الولاية، ونصحه باختيار البطانة الصالحة، وحذّر من التشبه بالكفار، وحثّه على إبطال بعض المكوس، ونصحه عن دقائق الملاحظات، كالإسبال، والمعازف، وبيع التنباك، حتى التصفيق عند إلقاء الخطابات، وختم بوعظه والدعاء له، ومما قال آخر رسالته: «ونحن نحب أن نرى أمر ولايتكم على منهاج النبوة كالخلفاء الراشدين، فاسعوا لذلك، واجتهدوا».
وله رسالة أخرى يناصح فيها أحد الملوك بعدة أشياء، منها الاهتمام بالصلاة، وإعفاء اللحية، وترك الإسبال، وغير ذلك.
وأخبرنا الشيخان ثناء الله وعبد الوكيل أنه لما زار أحد الملوك اختبره بالقرآن وحفظ آياته!
[4] وحاصلها أن الشيخ الأمرتسري أعلن تراجعه فيما بعد عما ذُكر من أخطاء، ووعد أن يغيرها، ولكن بقي الخلاف لأن المترجم رآه لم يغيّر كتبه، رحم الله الجميع، وقال لي الشيخ عبد القدوس نذير الهندي إن الشيخ الأمرتسري كان يقول: الحق معهم، ولكني لا أستطيع التغيير في كتبي لأنني أناظر الأديان والفِرَق، وسيأخذونها ذريعة عليّ.
قلت: ولعل له أعذاراً أخرى من الانشغال ونحوه، وإلا فالصواب في هذه المسائل مع المترجم، وقد أفضى كلٌّ إلى الغفور الرحيم، ولكليهما الجهود الكبيرة في نصرة الإسلام والسنة، فلا ينبغي التفرق بعدهما، ولا رمي فلان بالتشدد ونحوه، وعدم الاعتذار للآخر وهو مصرحٌ بالتراجع، والله أعلم.
وقال لنا الشيخان ثناء الله وعبد الوكيل مجتمعَين: كانا في بلدة واحدة وزمان واحد ولم يسب أو يشتم أحدهما الآخر، والمشاكل جاءت من الصغار.
[5] أخبرنا الشيخان ثناء الله وعبد الوكيل الهاشمي مجتمعَين، ودخل حديثهما في بعض: أن كتاب فصل الخطاب للعلامة الكشميري من إشارات شيخه محمود حسن الديوبندي في منع القراءة الفاتحة تحدى به متعصبةُ الحنفية أهلَ الحديث، بل أعلن مؤلفه أن لا يمكن للسلفيين أن يفهموا الكتاب! فقال المترجم: لما بلغني ذلك ألّفتُ هذا الرد. وقدّم فصلاً في أخطاء الكشميري في العربية نحو الستين غلطاً بعد إسقاط ما يمكن أن يكون من الطابع، وجعل كتاب الكشميري كله على الهامش، لئلا يُقال ترك منه شيئا، فلم يترك جزئية إلا وردّ عليها رداً محكما، وذلك في حياته، وتحدى الحنفية أن يردوا عليه ردًّا علميا، وأعطاهم مهلة أربعين سنة لذلك كما ذكر في الكتاب! وتوفي العلامة الكشميري ولم يرد، وبعد مدة جيء به إلى تلميذه العلامة البنوري ليرد عليه وينتصر لشيخه، ونُقل عنه أنه أبقى الكتاب أياماً عنده، ثم قال: إن الرد عليه يحتاج إلى استيعاب تفهمه أولاً، وقد تعذر عليّ ذلك. فالكتاب دَيْنٌ عليهم إلى الآن.
رحم الله الجميع، طُبع الكتاب الطبعة الأولى سنة 1348، والثانية سنة 1396.
[6] من ذلك ما أخبرنا به شيخنا ثناء الله مراراً: كنا في مجلس الألباني بالمدينة وتدور بعض المسائل، فكتبناها وأجوبة الألباني، وأرسلناها لشيخنا الروبري، وانتقد بعض المسائل، وأعطيناها الشيخ الألباني، وكذلك أعطيناه الكتاب المستطاب، وبقي عنده مدة شهر تقريبا، ثم رده إلينا، وكذا المسائل، وقال: لي أوهام، وله أوهام، ولا أطوّل البحث. ونُشرت في جريدة أهل الحديث في لاهور.
[7] أخبرنا شيخنا ثناء الله أن الشيخ محمد أشرف سندهو كان كثير الإجلال والمحبة لشيخه الروبري، ويدعو أن لا يدرك وفاته! ولما توفي المترجم كان الشيخ محمد أشرف مريضاً جداً، وتوفي الشيخ الروبري ولم يعلم به، وتدهورت صحته وتوفي في نفس اليوم، وصلّي عليهما معاً في اليوم التالي، رحمهما الله تعالى.
الجمعة، 14 يوليو 2023
ترجمة الشيخ حسن حبنكة الميداني _رحمه الله
ترجمة الشيخ حسن حبنكة الميداني
هو الشيخ حسن بن مرزوق بن عرابي بن غُنيم، ولَقب عائلته (حبنَّكة)، وشهرته (الميداني) نسبةً إلى حيّ الميدان الذي يسكنه في دمشق.
ولد الشيخ حسن في حي الميدان في دمشق سنة 1326هـ/1908م، وهو حي الشجعان وأهل المروءة والفتوّة وأولي القوة، وأبوه هو مرزوق بن عرابي بن غنيم من عرب بني خالد من بادية حماة، أما حَبَنّكة والميداني فهما لقبان له عرفت عائلته باللقب الأول واشتهر هو باللقب الآخر، وكان أبوه مرزوق من أهل الصلاح والاستقامة، صاحب محل لبيع المواد الغذائية، وأمه خديجة من أصول مصرية أتت لأبيه بأربعة أبناء وبنتين، أكبرهم هو الشيخ حسن يرحمه الله، وقد توفيت - يرحمها الله تعالى - أثناء عودتها من الحج مع ابنها الشيخ حسن.
رحلة الشيخ العلمية
كان الشيخ حسن متوقّد الذكاء منذ طفولته، طموحاً، محباً للعلم والفضيلة والمجد، فتعلَّم في الكُتّاب القراءة والكتابة والقرآن، ثم أنهى المرحلة الابتدائية في مدرسة الشيخ اليعقوبي، إلا أنه لم يقنع بهذا القَدْر من التعلّم، فلازم الشيخ (طالب هيكل) ثم الشيخ (عبد القادر الأشهب).
وسمع بكبار العلماء في دمشق الشام، فبدأ يتصل بهم واحداً فواحداً، ويتتلمذ على من يجد عنده حلقة تعليم، أو يجد لديه استعداداً لإفراده بحلقة خاصة.
وكان الشيخ حسن المتفرغ لطلب العلم والاتصال بالعلماء للأخذ عنهم فتًى في أوج همته واجتهاده وطموحه، عِلماً وتعبّداً، وشدّة على نفسه وعلى من يستطيع أن يفرض عليه إرادته، فكان يسهر الليل في طلب العلم، وفي صلاة جوف الليل، ويُلزم أحياناً زوجته الصغيرة غير المتعلمة أن تسهر معه في العبادة طاوية فراشها، وإذا غلبها النوم من أول الليل أيقظها من ثلث الليل الأخير، فتصلي قيام الليل حتى طلوع الفجر.
التعلّم والتعليم معاً: واتجهت همّته للأخذ والعطاء في آن واحد، معلماً ومتعلّماً، فجمع حوله عدداً من شُبَّان الحي يعلمهم علوم العربية والفقه وغير ذلك من العلوم الإسلامية، دون أن ينقطع عن متابعة كبار العلماء للتلقي عنهم.
من أبرز الشيوخ الذين أخذ عنهم:
1- الشيخ محمود العطار (فقيه حنفي وعالم متمكِّن).
2- الشيخ محمد بدر الدين الحسني، تتلمذ عليه ونال عنده حظوة وعناية خاصة حتى وفاة الشيخ بدر الدين رحمه الله.
3- الشيخ علي الدقر (انتمى إليه، ومنحه ولاءه، وتتلمذ عليه).
محنة الشيخ حسن حبنكة
وفي سنة 1386هـ/1966م حج الشيخ، وقابل الملك فيصل - يرحمهما الله تعالى - في لقاء خاص، ولما عاد أعد له الشعب استقبالا جليلا جدًّا في المطار وفي جامعه وَحيَّه بالميدان، وغاظ هذا نور الدين الأتاسي، بل إن السوفييت حذروا السوريين من هذا الشيخ الذي استقبل مثل هذا الاستقبال، فعزمت الحكومة على الإيقاع به؛ فأوعزت إلى أحد الملاحدة المجرمين أن يكتب مقالا مسمومًا يستهزئ فيه بالله - تعالى عَزّ وجَلّ - في مجلة الجيش الرسمية، فإذا قام الشيخ لينكر ويثير الشعب كعادته دُس بين صفوف المتظاهرين عناصر المباحث ليفسدوا المظاهرة ويحيدوا بها عن أهدافها، وحذر جماعة من المشايخ الشيخ حسن من الخطبة في جامعه في يوم جمعة خصه الشيخ للحديث عن الموضوع، لكنه خطب لمدة ساعة خطبة هائلة تجاوب معه فيها المصلون، ومنع هو وطلابه العناصر المدسوسة من التظاهر ضد الحكومة حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، وعُذب بالسهر المتواصل وتسليط الأضواء الشديدة عليه، وأرادوا قتله لكن الله تعالى نجاه بالنكبـة التي نُكبت فيها بلاد الشام في حرب سنة 1387هـ/1967م، وقررت القيادة إطلاق سراحه، فطلب إطلاق سراح المسجونين بسبب قضيته وهم ألوف فوافقت القيادة وأطلقت الجميع، لكن كانت السلطة قد أصدرت مراسيم بإلغاء جمعيته بعد سجنه وصادرت أملاكها.
شعر الشيخ حسن حبنكة
كان للشيخ شعر جيد على أنه لم يكن مكثرًا، فمن شعره:
بني ديني هلمـوا أنقـذونا فنار الكفر تلتـهم البنينا
وأنتم عاكفون على فسوق فكم نشقى وأنتم نائمـونا
فتنـتم بالذي يفنى سريعًا وأغراكم خـداع الكافرينا
فعن نهج السداد صرفتمونا ومن ثدي الجحود غذوتمونا
وقال أيضاً:
صفق القلب للحجـاز وثارا شَفّه الشوق للحبـيب فطارا
واقتفت أثره الجسـوم غرامًا فجرى الركب في الرمال وسارا
يا ديار الحبيـب يا أُنس قلبي عدل الدهر في الهـوى أو جارا
يا بقاع الأنوار من فيض ربي حدثيـني عن الرسـول جِهارا
حدثيني عن زمزم والمُصَـلّى حدثيـني فلا أطيـق اصـطبارا
طلاب الشيخ حسن حبنكة
تتلمذ على يديه مئات من طلاب العلم، وصار بعضهم من العلماء الكبار والمشهورين مثل:
د. محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله.
د. مصطفى الخن.
د. مصطفى البُغا.
شيخ قراء الشام حسين خطاب.
شيخ قراء الشام من بعده محمد كريّم راجح.
ابنه الشيخ عبدالرحمن حبنكة.
وفاة الشيخ رحمه الله تعالى
توفي يرحمه الله تعالى سنة 1398هـ/1978م، عقب مرض نـزل به، وجَلَطات قلبية انتابته قبل وفاته بثلاث سنوات إلى أن حانت منيته، ووافاه أجله، وصُلي عليه في جامع بني أمية، وشيع جنازته قرابة ستمائة ألف، وهذا لم يكن في دمشق لأحد من العلماء منذ عقود طويلة، رحمه الله تعالى وأعلى درجته في عليين.
قال تلميذه الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى:
"لا أعرف في حياتي يومأ سالت فيه شوارع دمشق، وأزقتها وميادينها، بأمواج متلاطمة من الناس، كالذي حدث يوم الاثنين الواقع في 15 ذي القعدة سنة 1398، يوم شيع شيخنا العلامة المربي الشيخ حسن حبنكة الميداني إلى مثواه الأخير.
في ذلك اليوم، توقفت حركة دمشق أو كادت، وهجر الناس أعمالهم، وترك معظم الطلاب دروسهم، وعافوا مدارسهم وجامعاتهم، وسار الكل مشيا ً على الأقدام، في خطى وئيدة، وسط زحام شديد، من دار شيخنا الفقيد رحمه الله في أواسط حيّ الميدان، إلى مسجد بني أمية الكبير، ثم من مسجد بني أمية إلى مثواه الأخير بجوار مسجد الحسن في حي الميدان (مسافة لا تقل عن 8 كيلو متر )!....
لم يكن ذلك اليوم العجيب زمناً مرّ وانقضى، ولكنه كان في الحقيقة سجلاً ثبت واستقر.
سجل ٍّ ارتسمت عليه صورة أمينة ودقيقة لمدى محبة أهل الشام لعالمها الجليل الذي ارتحل..
محبة صادقة نبعت من القلوب، ولم تُلصق إلصاقاً بالمظاهر والوجوه، فما قادهم إلى توديعه بالسير في ذلك الدرب الطويل شيء غير تلك المحبة التي لم تكن ثمرة لأيّ رغبة مما قد تميل إليه النفس البشرية من أمور الدنيا وأسبابها، وإنما هي سرّ رباني ينطوي على أكبر الآيات الدالة على ما لهذا الدين من سلطان على القلوب".
المرجع: نقلا عن شبكة الثبات
الأربعاء، 4 يناير 2023
ترجمة الشيخ العلامة عبد الغنى بن الشيخ سعد الدين الجلالوي
الاثنين، 28 نوفمبر 2022
ترجمة العلامة القاري محمَّد على مدني سند المدني
محمَّد علي سندي
هو الشيخ محمَّد على مدني سند المدني _ البصير بقلبه _ رحمه الله .
ولد في باكستان بمدينة (لاركانا) في منطقة السند، ولد في العقد السادس من القرن الرابع عشر الهجري.
حياته العلمية:
نشأ حفظه الله فقيراً، وكان ضريراً، فمنذ أن بلغ سن التعليم بدأ بحفظ القرآن الكريم، وعندما بلغ الخامسة عشر من عمره، ارتحل إلى الديار المقدسة لطلب العلم عن طريق البحر، فنزل أو ما نزل في مدينة جدة، ثم بعد أيام سافر إلى المدينة المنورة واستقر بها ولم يكن معه أحد من قريب أو بعيد، ثم بعد حين تعرف على الشيخ الجليل عباس بخاري فأكمل عنده حفظ القرآن الكريم وأتقنه غاية الإتقان ثم جوده برواية حفص عن عاصم، ثم قرأ المقدمة الجزرية وحفظها ثم حفظ منظومة "حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع" للشاطبى، وحفظ كذلك منظومة" الدرة المضية في القراءات الثلاث الزائدة على السبع" لابن الجزري، ثم بعد ذلك تلقى القراءات العشر بمضمن الشاطبية
والدرة، ثم درس النحو والفقه والحديث والتفسير وغيرها من العلوم.
وهكذا ظل ملازماً لشيوخه إلى أن جاء وقد من باكستان من منطقة السند وجلسوا إلى شيخه يستمعون قراءة المترجم فأعجبوا به وبقراءته وذكائه وسرعة بديهته وبإتقانه للقراءة وحسن أدائه في التلاوة والقراءة، فأستأذنوا الشيخ على أن يشرف على مدرسة القراءات ويقوم بتدريس القرآن والقراءات والتجويد فيها، وسرعان ما لبى الشيخ طلبهم وأمر المترجم بالسفر إلى بلاد السند ليؤدي الرسالة التي تعلم وتعب من أجلها، فاستجاب التلميذ لشيخه وارتحل إلى تلك البلاد لأداء رسالته، وما كان أبداً يريد أن يخرج من مدينة الحبيب - صلى الله عليه وسلم، ولكن لأداء الواجب وحاجة الناس ذهب وخرج في سبيل الله اقتداء بالسلف الصالح والصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين.
فعين مديراً لمدرسة "دار القراءات" في شكاربور بالسند الواقعة في شارع بستان الملوك، ومع إدارته للمدرسة قام بتدريس القرآن والقراءات والتجويد إلى يومنا هذا.
وله زيارة في كل سنة إلى الديار المقدسة، وحين وجوده في المدينة المنورة يلتف حوله حفاظ القرآن الكريم يقرؤون عليه ويستفيدوا منه.
شيوخه:
1 - الشيخ، عباس بخاري.
حفظ على يديه القرآن الكريم وأتقنه وجوده، وحفظ المقدمة الجزرية والشاطبية والدرة في القراءات العشر، وتلقى عنه كتب الحديث والتفسير والفقه والعلوم العربية، وبقية العلوم، وقرأ عليه كذلك القراءات العشر.
2 - الشيخ حسن الشاعر شيخ القراء الأسبق بالمدينة المنورة.
قرأ عليه القرآن الكريم بالقراءات العشر، وكان يقرأ أولاً عند شيخه الشيخ عباس بخاري، ثم يأتى إلى الشيخ الشاعر ويقرأ ما قرأه سابقاً عند البخاري، وهكذا إلى أن ختم القرآن بالقراءات العشر وأجيز فيها.
تلاميذه:
لقد استفاد من الشيخ خلق كثير في باكستان وخارجها وفي المدينة نذكر منهم:
1 - الشيخ عبد المالك محمود سلطان، أستاذ القراءات في مكة المكرمة
قرأ عليه القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم وتلقى عنه القراءات العشر.
2 - الشيخ أمير الدين السندي، من المقربين جداً إلى الشيخ المترجم، فدرس عليه القرآن والقراءات في مدينة لاركانا، وتلقى عنه القراءات العشر، وقرأ عليه المقدمة الجزرية وكتاب فوائد مكية، وكتاب جمال
القرآن، وهي من كتب التجويد.
3 - غلام رسول، مدرس القرآن والقراءات في كراتشي، تلقى عنه القراءات العشر.
4 - الأستاذ بشير أحمد نور محمَّد، لازمه مدة ثلاث سنوات
قرأ عليه القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم ختمات عديدة، وقرأ ختمة برواية شعبة، ورواية قالون ولم يكمل، وقرأ عليه المقدمة الجزرية وكتاب فوائد مكية، وجمال القرآن.
5 - الأستاذ عبد الرحمن الكوثر بن الشيخ محمَّد عاشق الهي.
6 - قاري نذير أحمد، إمام وخطيب ومدير مدرسة القرآن في كواتشي.
7 - عبد القادر المرغلاني
ثلاثتهم قرؤوا عليه القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم من الشاطبية.
8 - قاري الله بخش.
9 - عطاء الله بن نور محمد.
ولا يزال الشيخ -حفظه الله- يقرئ القرآن والقراءات في باكستان والمدينة المنورة، أطال الله في عمره وأحسن عمله ونفع به المسلمين.
إنه سميع مجيبأ. هـ
.............
المصدر / موسوعة " إمتاَعُ الفُضَلاء بتَراجِم القرّاء فِيما بَعدَ القَرن الثامِن الهِجري" لشيخنا الياس البرماوي (2/325)
قلت (حاتم) : توفي الشيخ رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، فى شهر يونيو الماضي لعام 2022م



